جيرار جهامي ، سميح دغيم
3299
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
لضمان استقلالية الإنسان في شقّيها ، أي استقلالية الإنسان باعتباره عقلا واستقلاليته باعتباره فاعلا أخلاقيّا . فإن الأنظمة العلمانية ( خذ النظام النازي أو الشيوعي الستاليني على سبيل المثال ) قد تكون في بعض الحالات نافية لاستقلالية الإنسان ، في شقّيها ، إلى حدّ لا يقلّ في خطورته عن الحدّ الذي تبلغه الأنظمة اللاعلمانية في نفيها لهذه الاستقلالية . ( عادل ضاهر ، الفلسفة العلمانية ، 375 ، 15 ) . - إن مفهوم العلمانية تشكّل في دائرة الصراع السياسي الديني في أوروبا ، وإنه استقرّ في صورة محدّدة في أدبيات فلسفة الأنوار ، حيث كان يعني إقامة الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية . إن تباشيره وملامحه الأولى برزت في بدايات الفلسفة السياسية الحديثة ، مع ماكيافللي وهوبز ، إلّا أنه تحصّل في فلسفة الأنوار على تشبّعه المعرفي ، القاضي بضرورة التمييز في السياسة بين مجال الدين ومجال الدنيا ، مجال الكنيسة ومجال المجتمع المدني . وقد ارتكز المفهوم في سياق تطوّره الفكري إلى قاعدة فلسفية كبيرة هي قاعدة المعتقد الليبرالي ، هذه القاعدة التي تسلّم بأولوية الإنسان الفرد في الوجود ، كما تسلّم بالقيمة المطلقة للحرية ، وتعتقد بالأهمية اللانهائية لقدرات العقل الإنساني . ( كمال عبد اللطيف ، مفاهيم ملتبسة عربية ، 39 ، 26 ) . - لا تبرز العلمانية كتصوّر متكامل منظّر للتاريخ والمجتمع والفكر إلّا عندما يتعرّض واقعها الكاسح إلى معاندة من قبل فكر فئات تروم الاستئثار بالسلطة الثقافية والاجتماعية ، وتاليا ، السياسة ، باسم تراث مناقض للواقع ، سابق عليه . ولئن تمثّلت العلمانية على صعيد الفكر في الوطن العربي بتراث الثقافة البرجوازية - دون برجوازية فعلية - القائمة على العقلانية في الفكر والنفعيّة في المجتمع والسياسة والوطنية في الإيديولوجيا ، فقد جاءت معاندتها باسم أصالة سابقة عليها ، غير معترفة بواقعها . فجاء تاريخ العلمانية ، في الوطن العربي كما في فرنسا ، تاريخا لمناقضة الدنيا واقعا وعقلانية ، باسم الدين ، وكانت العلمانية من منظار الدين الصورة التي تتّخذها الدنيا ويتّخذها الواقع في منظار تصوّر يستند إلى الرمز الديني ، ويعتبر هذه الدنيا وهذا الواقع أمرين مناقضين للحق المتمثّل في رأي الحزب الديني . على ذلك ، كان الفكر العلماني دوما ردّا في الواقع على دعاوى الهروب من الواقع ومعاندته . ( عزيز العظمة ، العلمانية ، 10 ، 26 ) . - إن العلمانية ليست بالظاهرة التي يمكن توصيفها ببساطة ويسر ، بل هي جملة من التحوّلات التاريخية السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والإيديولوجية ، وإنها تندرج في أطر أوسع من تضادّ الدين والدنيا ، بل إنها تابعة لتحوّلات سابقة عليها في مجالات الحياة المختلفة . ونستنتج أيضا أن العلمانية ليست بالوصفة الجاهزة التي تطبّق أو ترفض ، فإن لها وجوها : وجها معرفيّا يتمثّل في نفي الأسباب الخارجة على الظواهر الطبيعية أو التاريخية ، وفي تأكيد